مقالات

الريف المصري قاطرة التنمية في مصر عبر العصور

الريف المصري قاطرة التنمية في مصر عبر العصور

د. حاتم عبدالمنعم أحمد

 

منذ فجر التاريخ، مصر أرض الخير والخيرات؛ حيث اختصها المولى الكريم بكثير من نعمه وكرمه بشكل واضح في جميع كتبه السماوية؛ حيث يقول المولى الكريم (وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ) الزخرف 51 .

وفى سورة الشعراء (فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ) 56و57 ويقول المولى الكريم (كم تركوا من جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ) الدخان 25 و26 وغير ذلك من آيات متعددة، لذلك يتفق كثير من العلماء مثل السيوطي والكندي على أنه لا يوجد بلد في الأرض أثنى الله عليها في القرآن الكريم مثل مصر وأنها بلد الزرع والأنهار والخير وبها خزائن الأرض من خيرات وكانت دائمًا الزراعة المصرية مصدرًا رئيسيًا للخير ليس لمصر وحدها، بل كانت سلة غذاء لمن حولها، ويذكر نابليون في مذكراته أن مصر قادرة على أن تستوعب أربعة أضعاف حجم سكانها، بل وقادرة على أن تكون سلة غذاء العالم ، ولكن للأسف تراجعت الزراعة المصرية في العقود الأخيرة بشكل خطير.

فكما بدأت العشوائيات في المسكن والأحياء مع سياسات الانفتاح في السبعينيات، امتدت هذه العشوائيات للزراعة والصناعة والتعليم والصحة وخلافه؛ حيث رفعت الدولة يدها عن مساندة الفلاح من خلال عدة إجراءات، منها إهمال دور الجمعيات التعاونية و بنك التسليف الزراعي وترك عمليات استيراد الأسمدة والمبيدات للقطاع الخاص، وكذلك تسويق المحاصيل وغيرها، حيث بدأ انهيار التعاونيات في مصر مع القانون 117 لعام 1976 والقرار الجمهوري رقم 824 بحل الاتحاد التعاوني المركزي، والقرار الجمهوري رقم 825 بإلغاء الهيئة العامة للتعاون الزراعي، وما تبع ذلك من قرارات، أدت إلى تراجع دور التعاونيات الزراعية في مصر في الوقت الذي أوصت الأمم المتحدة دول العالم بدعم التعاونيات الزراعية تحديدا، وأكدت أهميتها في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية القائمة، ثم أكدت توصيات منظمة العمل الدولي عام 2001 ضرورة دعم الحكومات في مختلف النظم السياسية بمسيرة العمل التعاوني، خاصة في المجالات الزراعية في القرن الواحد والعشرين.

وهناك كثير من التجارب الدولية الناجحة في هذا المكان، مثل تجربة اليابان التي أصدرت قانونًا جديدًا للتعاونيات الزراعية عام 1947 ورغم أن الانضمام لهذه الجمعيات اختياري، إلا أنه يضم نحو 99% من المزارعين لدورها الحيوي في خدمة الزراعة والفلاح، حيث تقوم هذه الجمعيات بشراء كل مستلزمات الزراعة من أسمدة ومبيدات أو بذور وخلافه أو أدوات وماكينات وكل احتياجات الزراعة والفلاح، كما تقوم هذه التعاونيات ببيع كل المحاصيل؛ وبالتالي تقوم هذه الجمعيات بالشراء بالجملة وتحمي الفلاح من استغلال وغش وفساد القطاع الخاص سواء في بيع مستلزمات الزراعة أو الشراء بثمن بخس؛ ولذلك ينضم كل المزارعين لهذه الجمعيات، مما أدى لزيادة الإنتاج القومي الزراعي للدولة والحد من مشكلة الفقر في الريف؛ حيث تقوم هذه الجمعيات أيضا بمنح قروض ميسرة للفلاح وتشجيعه على الصناعات الصغيرة والريفية.

وللهند والصين تجارب أخرى مميزة، يجب الاستفادة منها وكلاهما يعتمد اعتمادًا كليًا على التعاونيات في توفير الأسمدة والمبيدات والآلات، وكافة احتياجات الزراعة بدون استغلال، ثم تكون أيضًا المسئولة عن البيع والتوزيع والتصدير.

ومن هنا أهمية دراسة هذه التجارب بعمق لتطبيق ما يناسبنا في مصر، حيث تراجعت أهمية التعاونيات وتراجع دورها لصالح القطاع الخاص والانفتاح والخصخصة؛ حيث تراجع عدد الجمعيات الزراعية في مصر من نحو ستة آلاف جمعية عام 2000 إلى ما يقرب من أربعة آلاف جمعية عام 2010 بدلا من زيادتها، مما يعكس تراجع دورها وأهميتها لدى الفلاح المصري وهذا عكس العالم وتوصيات الأمم المتحدة ومنظمة العمل الدولي.

الخلاصة أصبح الفلاح المصري وحيدًا ومنفردًا أمام بضعة محتكرين بدون حماية، سواء من الدولة أو حتى التعاونيات وترك القطاع الخاص محتكرًا شراء وبيع كل احتياجات الفلاح من مبيدات وأسمدة بعضها مسرطن أو ضار بصحة المجتمع وأيضًا محتكرًا التسويق والبيع، وفى جميع هذه الحالات يخسر الفلاح والمواطن والمجتمع الكثير والمستفيد من هذه الخصخصة بضعة أفراد يكسبون المليارات؛ مما يؤدى لإهمال الفلاح لأرضه، وتراجع المحاصيل والدخل القومي هذه بجانب مشكلات القروض الزراعية. وإهمال الصناعات الريفية وتراجع زراعة القطن من نحو مليون فدان إلى نحو مائة ألف فدان في عصر مبارك لخدمة الفلاح الأمريكي، وغير ذلك من مشكلات متعددة يعاني منها الريف والفلاح المصري، وآن الأوان لأن تكون في مقدمة اهتمامات كل مصري.

ومن هنا أهمية الدعوة لمؤتمر قومي لمناقشة مشكلات الريف والفلاح في مصر من أجل عودة مصر أرض الخيرات والزرع وسلة غذاء، لمن حولها فلا نهضة أو تنمية مستدامة بدون تنمية الريف المصري، أرض الخير وسر خزائن الأرض.

نقلا عن بوابة الأهرام

زر الذهاب إلى الأعلى