مقالات

صراع المصالح في المتوسط

صراع المصالح في المتوسط

د. هالة مصطفى

 

فى تصريحات شديدة اللهجة وعلى نحو غير مسبوق، وجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون انتقادات لاذعة لسياسة تركيا فى الشرق الأوسط، ووصف سعيها لل تنقيب عن النفط والغاز شرق المتوسط بغير المشروع، مثلما هاجم وبنفس القوة اتفاقيتها حول ترسيم الحدود البحرية مع حكومة السراج الليبية التى وقعتها منذ أشهر، رافضا الاعتراف بها، ناهيك عن إدانته وجودها العسكرى هناك، وأعلن فى المقابل وقوفه الكامل إلى جانب قبرص واليونان اللتين تنازعهما أنقرة مصادر الطاقة، وذهب أبعد من ذلك ليشير صراحة إلى أنها لم تعد شريكا للأوروبيين رغم عضويتها فى الناتو، خاصة بعد إقدامها على شراء منظومة الدفاع الصاروخية الروسية إس 400 رغم كل التحذيرات الغربية، مطالبا الاتحاد الأوروبى باتخاذ مزيد من الإجراءات العقابية ضدها فى اجتماعه المقبل المزمع عقده الأسبوع القادم.

ومن جهتها، لم تتوان الأخيرة فى كيل الاتهامات لفرنسا ورئيسها ووصف تصريحاته بالوقحة والاستعمارية، والمتسببة فى تأجيج الحرب الأهلية فى ليبيا المنقسمة إلى غربية وشرقية وتغذية القتال بين شطريها، بحكم امتلاكها واحدا من أطول السواحل المطلة على البحر المتوسط.

هذا التراشق اللفظى لا يعكس فقط الطابع العدائى الذى بات يُغلف العلاقات بين البلدين، ولكنه يُظهر وبنفس القدر مدى الأهمية التى تحتلها منطقة المتوسط الغنية بالموارد الطبيعية، ليضعها فى بؤرة التنافس الدولى والإقليمى، بل وقد تصبح هى عنوان الصراع القادم الذى سيطغى على ما عداه من صراعات تاريخية.

لا شك أن لتركيا فى ظل حكم رجب طيب أردوغان ، نزعة عدوانية توسعية تمارسها باسم العثمانية الجديدة لاسترداد ما أجبرت امبراطوريتها الزائلة على التخلى عنه، بعد هزيمتها فى الحرب العالمية الأولى، وهى فى ذلك تخترق مناطق النفوذ التقليدية التى كانت لأوروبا، وتُثبّت أقدامها فيها بقوة الأمر الواقع، فبالأمس كانت سوريا واليوم ليبيا، التى تقيم فيها قواعد عسكرية وترسل إليها الآلاف من المرتزقة للقتال إلى جانب حكومة الوفاق التى تستغلها لإحكام قبضتها على هذا البلد العربى، وبالتالى فاحتمالات صدامها مع القارة القديمة قائمة.

وهناك العديد من نقاط الخلاف الأخرى التى تظلل علاقاتها بالاتحاد الأوروبى وتجعل التعايش بينهما صعبا مستقبلا، منها مرارة الرفض المتكرر لقبولها عضوا فيه بسبب سجلها السيئ فى مجال الحريات وحقوق الإنسان والذى يتنافى مع قيم دوله الأساسية، وكذلك روابطها المعروفة بمعظم جماعات وتنظيمات الإسلام السياسى من الإخوان إلى داعش والقاعدة المسئولة عن حوادث الإرهاب التى اجتاحت أوروبا الأعوام الماضية، ثم نزاعها الطويل مع دولتين عضوتين به، اليونان وقبرص التى احتلت شمالها فى 1974 وأطلقت عليه قبرص التركية، وهو النزاع الذى ازداد حدة فى الآونة الأخيرة بعد صراع الغاز ويُنذر بمواجهات عسكرية بين أطرافه ما لم تتراجع تركيا (التى بدأت بالفعل فى سحب سفينتها للتنقيب عن الغاز قبالة السواحل اليونانية)، بالإضافة إلى تلاعبها المستمر بقضية اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين بحكم موقعها الجغرافى وتحكمها فى الطرق التى يعبرون منها من الشرق الأوسط إلى الشواطئ الأوروبية، ورغم الاتفاقية التى وقعت بينها وبين الاتحاد بهذا الشأن فى 2016 والتى تعهدت بمقتضاها الحد من تلك الهجرة مقابل تعويض مالى، إلا أنها لم تلتزم ببنودها وفتحت حدودها مؤخرا مع اليونان ليتدفق منها عشرات الآلاف من المهاجرين، الأمر الذى أثار قلقا وسخطا أوروبيا واسعين، وأخيرا كان استعراضها لقوتها العسكرية فى مياة المتوسط بعدما نشرت قواتها وقواعدها العسكرية البرية فى أرجاء المنطقة، وكأنها تبعث برسالة مفادها أنها باتت القوة المتحكمة فى أغلب ملفات الإقليم المفتوحة سلما أو حربا، وأن أى تسوية سياسية للصراعات يجب أن تمر من خلالها.

إذن الشروخ فى العلاقات التركية-الأوروبية تتسع يوما بعد يوم وتنبئ بمزيد من التدهور، والسؤال هو على ماذا يراهن أردوغان لتفادى العقوبات المحتملة؟

الإجابة تتلخص فى عضوية بلاده فى الناتو تحديدا، وكونها تمثل قوة عسكرية لا يستهان بها داخله، وأنها تشكل خط الدفاع الجنوبى له، وهو واقع طالما قيد السياسات الأوروبية تجاهها، كما أن الحلف يعانى فوضى المواقف بين أعضائه، ما يحول دون اتباع سياسة موحدة، والمعروف أنه لعب الدور الأول فى إسقاط نظام القذافى 2011 بتدخل عسكرى مباشر، ولكنه لم يمتلك رؤية للسيطرة على الأوضاع السياسية الداخلية، وأصبح البلد ساحة للميليشيات المتناحرة والتنظيمات المتطرفة، كما أن الفراغ الذى تركه سرعان ما ملأته إيران وروسيا وبعدهما تركيا، وهى الدول الفاعلة على الأرض صاحبة النفوذ الحقيقى، وحتى عندما تقدمت باريس بشكوى رسمية ضد أنقرة إثر اعتراضها سفينتها «كوربيت» التى كانت فى مهمة للحلف ضمن عملية إيرينى لتطبيق حظر توريد السلاح إلى ليبيا، لم تحظ إلا بدعم ثمانى دول من أصل ثلاثين دولة هى مجموع الأعضاء.

والواضح أن مسألة اللاموقف هى ظاهرة متكررة، وهو ما دعا ماكرون فى حديث لمجلة ذى إيكونوميست أواخر العام الماضى، لوصف الناتو بـأنه فى حالة موت إكلينيكى، مشيرا إلى افتقاده الحد الأدنى من التنسيق السياسى، فضلا عن فشل القيادة الأمريكية له فى ظل الإدارة الحالية لدونالد ترامب التى يصعب التنبؤ بمواقفها حسبما أشار، ضاربا مثلا بانسحابها الفجائى من الشمال السورى دون مشورة مسبقة، فضلا عن سياساتها المتناقضة حيال الصراع الليبى الذى تتأرجح فيه بين المعسكرين المتحاربين.

هذا الوضع ينسحب أيضا على الاتحاد الأوروبى، الذى يعانى بدوره الانقسامات الحادة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية لأعضائه، صحيح أن هناك توجهات عامة تحكم الجميع، إلا أن المصالح الذاتية لكل دولة على حدة مازالت تتسبب فى التراجع عن كثير من المواقف الموحدة، فألمانيا على سبيل المثال -التى ترأس الاتحاد فى الوقت الراهن- تُفضل الحوار والتعامل الدبلوماسى مع تركيا على عكس فرنسا، وتسعى للعب دور الوساطة بينهما، ببساطة لأنها تخشى استخدام الأخيرة ورقة اللاجئين، ومعروف أنها الدولة الأوروبية الوحيدة التى استقبلت عددا هائلا منهم، وتعرضت جراء ذلك لمشاكل سياسية كبيرة، إضافة إلى وجود أكبر جالية تركية بها، كذلك إيطاليا التى تربطها بليبيا علاقات تاريخية وروابط تجارية واقتصادية وثيقة تقف إلى جانب حكومة الوفاق بخلاف فرنسا التى تؤيد الجيش الليبى بقيادة حفتر.

هكذا تتصارع المصالح حتى بين الحلفاء، وهو أمر متعارف عليه، ولكنه لا يعنى أن أوروبا لن تتوحد فى لحظات الحسم أو تقبل بالتخلى عن نفوذها، خاصة فى ملف شديد الحساسية والخطورة كملف المتوسط، وبالتالى قد يخسر الرئيس التركى رهاناته.

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

زر الذهاب إلى الأعلى